التجارب أثبتت أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يغيب دورها في أي نزاعات في مختلف دول العالم، والمساعي الأمريكية في التواصل والعمل مع أي أطراف خلال مراحل التوتر في دول العالم لا تتوقف، وأصابع أمريكا دائماً متواجدة في بشكل مباشر في كل مناطق النزاع بشكل مباشر وغير مباشر، إما من خلالها، او من أطراف داخلية، او حتى إقليمية، وبالتوالي لا يغيب الدور الإسرائيلي.
هذا واقع يعيشه العالم، والتجارب القائمة في منطقتنا خير شاهد، مثل ما جرى ويجري في سوريا وما يجري في السودان، وفي اليمن، وكذلك ليبيا، ومنطقة القرن الإفريقي، خصوصا الصومال، وأصابعها تشعل النيران في كل منطقة ودولة ومدينة تشهد توترات ونزاعات.
وبعيدا عن الاتفاق أو الاختلاف، والموقف من إيران سياسياً، وما يجري فيها من توترات، ومطالبات شعبية بالحرية والديمقراطية، ومكافحة الفقر، والبحث عن العدالة، فبعيداً عن كل ذلك، لا يمكن انكار التدخلات من جانب أمريكا، ومن خلفها أو أمامها، وجود إسرائيلي، فيما يجري، الآن أو قبل ذلك بسنوات طوال.
فليس هناك شك أن العداء لن ينقطع من جانب أمريكا وإسرائيل مع النظام القائم في طهران، والعكس صحيح، فلن تتوقف خطواتهما عن دعم أي تحرك ينال من نظام خامنئي، وليس هناك غير ذلك، بل أن الإستراتيجية الأمريكية، تستهدف القضاء على النظام الحاكم في إيران، ودعم كل ما من شأنه أن يحقق ذلك، والعدوان الإسرائيلي الأمريكي الأخير خير شاهد على ذلك، خصوصا حرب الـ12 يوماً في يونيو ا2024، بشن إسرائيل هجوما غير مسبوق على مواقع عسكرية ونووية ومناطق سكنية في إيران، ومشاركة الولايات المتحدة فيها بتوجيه ضربات إلى 3 منشآت نووية إيرانية رئيسية.
الدور الأمريكي ظهر، وربما تم فعلياً في إيران، وفق ما جاء على لسان دونالد ترامب الرئيس الأميركي عندما هدد مؤخراً بالتدخل عسكريا في إيران حال مقتل متظاهرين، حيث قال الأسبوع الماضي، "نحن نراقب الوضع من كثب، إذا بدأوا قتل الناس كما فعلوا في الماضي، فأعتقد أنهم سيتلقون ضربة قوية جدا من الولايات المتحدة".
واستغل رئيس الوزراء الإسرائيلي الفرصة، معربا عن دعم المتظاهرين، وقال خلال آخر الاجتماع الأسبوعي الأخير للحكومة "نقف متضامنين مع نضال الشعب الإيراني ومع تطلعاته إلى الحرية والعدالة".
أليس هذا تحريضا على ما يمكن تسميته بدعم أعمال العنف في إيران، وفقاً لما قالته الخارجية الإيرانية مؤخراً، معتبرة "أنّ تصريحات ترامب ونتنياهو تشكّل "تحريضا على العنف"، متهمة إسرائيل بالسعي إلى "تقويض الوحدة الوطنية".
ومن حق الشعب الإيراني التعبير عن غضبه والسخط من ارتفاع تكاليف المعيشة، وهذا شأن داخلي يحدده الإيرانيون أنفسهم، ودون أن تواجه حكومة طهران ذلك بالعنف والقتل، وليس من المقبول أن يتم مواجهة ذلك بعمليات ترويع وقتل، وصلت – وفق مصادر إعلامية ومنظمات أممية مثل "إيران هيومن رايتس" – إلى "51 متظاهرا على الأقل وإصابة المئات، خلال نحو أسبوعين من الاحتجاجات في أنحاء إيران.
وتتحمل الحكومة الإيرانية كل المسؤولية عن أي انتهاكات بحق الذين يعبرون عن مواقفهم بالطرق السلمية، ومسؤوليتها عن كل الإجراءات الأمنية مشددة وقطع الإنترنت واعتقال متظاهرين.
إلا أن التدخل الأمريكي هو الخطر لتحقيق أهداف ليست لها علاقة بحقوق أفراد الشعب الإيراني، كما تدعي أمريكا وإسرائيل، بل إن مصالحهم تتعدى ذلك.
وما قاله عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني الجمعة 9 يناير، (إن الولايات المتحدة وإسرائيل يسعيان إلى تأجيج حركة الاحتجاج)، لا شك أن فيه جزء من الصحة، وهو ما يسهم في توسيع رقعتها في المدن الإيرانية، في وقت دعت فيه وزارة الاستخبارات الإيرانية المواطنين إلى التعرف على المخربين والإرهابيين المرتزقة التابعين للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، الذين نفذوا ليلة الخميس 8 يناير عمليات إطلاق نار متعددة بهدف إيقاع قتلى، والإبلاغ عنهم، وجاء ذلك في أعقاب ما أشار إليه المرشد الإيراني علي خامنئي إلى "المرتزقة الذين يعملون لصالح الأجانب".
ولندقق في تصريحات "مايك هاكابي" السفير الأميركي في إسرائيل، فرغم أنه استبعد تدخل الولايات المتحدة فيما يجري في إيران،، إلا أنه عاد وقال "الموضوع مطروح للنقاش حاليا والجميع يراقب ليرى ما الذي يريده الشعب الإيراني وما سيحدث"، ثم قال "إن الاحتجاجات في إيران تتصاعد، وهذا مؤشر بالغ الأهمية، ونأمل أن يكون عام 2026 هو عام تحقيق إرادة الإيرانيين".
بل زاد وقال "أي إجراء عسكري إسرائيلي في الوقت الراهن ضد إيران سيكون قراراً مستقلا بما يخدم مصالحها، وما ستفعله إسرائيل، وما ستفعله الولايات المتحدة، هو قرار تتخذه كل دولة بشكل مستقل".
ومن المهم قراءة معنى كلمات وزير الخارجية الإيراني من أن الأميركيين والإسرائيليين يتدخلون بشكل مباشر في الاحتجاجات في إيران، ويحاولون تحويل الاحتجاجات السلمية إلى احتجاجات انقسامية وعنيفة.
الغريب في الوضع الإيراني هو موقف رضا بهلوي نجل شاه إيران، حيث طالب وناشد الرئيس الأميركي دونالد ترامب "التدخل بشكل عاجل"، وجاء في تغريدة له على مختلف منصات التواصل الاجتماعي موجهة إلى ترامب: "سيدي الرئيس، هذا نداء عاجل وفوري يستوجب انتباهكم ودعمكم وتحرككم وأرجو منكم الاستعداد للتدخل لمساعدة الشعب الإيراني، كما دعا الناس للنزول إلى الشوارع للقتال من أجل حريتهم، والضغط على قوات الأمن بأعدادهم الكبيرة.
فكيف يأمن الإيرانيون لحكم رجل يطلب من أعداء بلاده ما يشبه احتلالها، لمجرد تحقيق طموحاته؟.
---------------------------------
بقلم: محمود الحضري






